الحب العنكبوتي والصيد الافتراضي للعاشقين

الحب العنكبوتي

والصيد الافتراضي للعاشقين

يعتبر الحب المبثوث عبر الشبكة العنكبوتية نوعا من الانقلاب الجذري لكل ما هو معروف عن حالات الحب السائدة المحكومة بالعادات والتقاليد انه حالة من التخطي غير المشرع وغير المقنن بعقود لازمة قانونيا ومادياً.
حب يقيم العلاقات التابعة للهوى والرغبة حيث غالبا ما يعمل بشرعة الهروب لا المواجهة ولطالما اعتبره البعض كذباً أبيض في بعض حالاته. وكذباً أحمر في وجه من وجوهه. فيما يراه آخرون كذباَ أسود في أغلب الحالات.
ونظرا لما يرسمه هذا النوع من الحب من مسالك مغايرة للمنجز الجنسي المعروف ببيانه العاطفي والأخلاقي القديم، فقد بدا لنا وعدا بالإشباع تارة وانخراطا طوعيا بعالم الوهم والخيال تارة أخرى أي أشبه ما يكون بالتنويم المغناطيسي والخدر اللذيذ مسكن يشبع الرغبات المؤقتة العابرة تلك التي لا تكتمل ولو سعت إلى الاكتفاء.
مسرح عشقي جنسي لا يبحث في نواة الحب إلا في إطار الجسد الجائع والمحتاج أو المريض. أي حب يخوض في حالة الحب الموهوم لا في الحب ومعانيه كعنصر سعادة وشغف حياة.
فبينما اعتبره البعض معادلا موضوعيا لرغبة جنسية ناقصة رآه البعض الآخر فضا لخلاف قائم بين إرادة شريكين رغبتهما الجنسية غير متكافئة
فما بين الجوع الجسدي والبطر المزاجي وما بين الشبق و العبث والحرمان وفي غياب العلاقات السليمة والتواصل الإنساني الراقي يترعرع هذا النوع من الحب وينمو كنبات طفيلي لا جذر له
حيث يتلبس فيه العاشق الشخصية التي يريد ليلعب الدور الذي يرغب مختارا الاسم والشكل والصوت والملحقات الأخرى تلك التي تبتدعها مخيلة هؤلاء المجربين كمحاولة لاسترداد عاطفة خفتت أو استحضار حب غاب.
إذاً.. بدوافع واهية توزعت المواقع تلك التي تشيد بهذا النوع من الصيد العاطفي والتي تقوم باستدراج العشاق إلى هذه العوالم الجديدة بل إلى هذه الأرض العذراء والمليئة بالسحر والضوء والبهجة والمتعة والجمال والتي تساعد على الإبحار نحو اكتناه الذات والوجود بحساسية مرهفة.
على حد قول المحامي غسان. ي.
علاقات تضع العاشقين أمام تحديات من نوع جديد وتثير العديد من الأسئلة
أهي الصحوة بعد الغفوة؟ أم الفكرة بعد السكرة أهو النعمة أم النقمة؟ أهو الجحيم أم الجنة؟؟
يقول نعيم س.: نعم أنا من ضحايا هذا النوع من الحب. فانا شاب لا يود أن يرمي بفيضاناته حجرا على رأس الحرمان موظف ودخلي محدود لا أقوى على مصاريف الزواج. والنت حققت لي رغبات عابرة.
أما سعاد ن. تتضاحك وتقول: إنه ألم الاضطرار أعتمده أحيانا كي لا يسقطني صداع العنس على أرض الفضيحة وكي لا يشار إلي بالأنملة بل كي لا أسقط من خريفي ورقة ذابلة.
و يختاره طارق ع ع أحيانا كي لا يلقم جسده الجائع بصور النجوم المستهلكة وأفلام البورنو وكي يدفع عنه النزق والاختناق وترى هدى ح بن الشاشة الفضية مجالاً يوفر لها فرصة للتعارف مع نصفها الآخر، كي لا تمضي أيامها كحروب غير معلنة في واقع يومي حياتي لا يأبه للمرأة ولا إلى رغباتها. فيما تقول هدى إن النت الوسيلة الأنجع كي لا تحتسيني عيون المقهى أو تلتهمني أشباح الفراغ وكي لا أسفح عاطفتي على الأرض الباردة:
عنان ب.
وحده النت يوفر لي الزواج الثاني والثالث والرابع دون تكاليف ودون ضحايا فأنا مزواج كما عرف عني وعاشق للنساء ضعيف أمام غنج المرأة ودلالها .ففي النت زواج لا يكلفني فتح بيوت عديدة.
نوال ض. تقول:
بفضل الشاشة الفضية تعرفت على زوجي الحالي عمار وعبرها هندسنا لحياتنا لقد كان قلبي يسيل من أخمص قدمي إذ أسمع همسات عمار وكلماته الانسيابية اللذيذة المفعمة بتطورات رومانسية مؤثرة كانت تلعب دورا هاما في توجيه إرادتي باتجاهه إلى أن بات تعلقنا ببعضنا كتعلق الشمعة بنارها لقد ساعدتنا على تفريغ عواطفنا ونحن في نجوة من تسلط الأهل وتدخلهم ويهز ضياء رأسه مؤكدا صدقية ما قالته نوال معلقا بدوره بقوله لعل هذا النوع من الحب يحمي الفتاة من التورط في فضائح حمل غير قانوني
وبلهجة المستنكر والمستفظع والمستبشع يقول رياض ش:
أية حرية لعاشق تستعبده آلة؟
أوليست شهوات مسطحة و رغبات هلامية هذه تبعد الإنسان عن إنسانيته؟
أي مستقبل لحب يمارس الدعارة دون خجل أو حياء؟
أية خيانات غير مشرعة هذه التي تنمو في مجتمعاتنا محاطة بحزام ترويحي؟
ويهز صلاح ب رأسه موافقا ومضيفا: أية علاقات هذه التي تتم وفق نسق يسمح بفهم الآخر وفق إرادة الأنا وحسب؟
أية علاقة تصنع بإرادة قطب واحد لا غير؟
لا أعتقد بأنها أفضل حظا من حب البعض للدمى المصنعة من البلاستيك
ونستنتج من مجمل هذه التصورات العديدة والآراء المتفاوتة
بان الشبكة العنكبونية –على الرغم من دورها الإيجابي
الفعال في ردم المسافة القابعة ما بين الجنسين ونزعها للأقنعة والحجب المصطنعة حيث توفر الفرص لتعارفهما والتقارب والتفاهم بينهما ولا سيما لدى الشبيبة الذين نشأوا في بلدان أجنبية حيث ساهمت وتساهم في بناء جسر من التواصل تتسق على ضوئه الصلات وتستوثق العلائق والبعيد يصبح قريبا متجاوزة المسافات والعقليات المتحجرة والعادات البالية
إلا أنها غير قادرة في الواقع على رصد مسار تحولات هذا الحب المبثوث عبرها ومتابعته والتقاط معناه فهو على الاغلب ناقص يفتقر إلى علو المكانة التي يمتلكها الحب الحقيقي النابض بالحياة حيث يفتقر إلى قوة وعنف الوجدان الشخصي الذي يلازم الحب الحقيقي
علاقات لم تعد تبدأ بالنظرة فالابتسامة فالسلام فالكلام فالموعد فاللقاء ثمة اختزال حقيقي لذاك الطريق الطويل والشاق على حد قول نهاد ط على سبيل المثال
هو
كم صوتك مخملي مغناطيسي جذاب يا هند
يستدرجني بسحره للوقوع بكوار من العسل
هل تتذوقين معي العسل يا هند
هي
لا ادري بأية جاذبية تختطفني مني يا عادل ومئة عصفور على الشجرة يغرد لليلى الجائعة والخائفة والمتمردة الفاقدة الحزينة المحرومة
هو
تعالي لنغرد معا فكل شيء يمضي بي صعودا يا هند وأنت تطلين على الشاشة الفضية أتفكك تحت شمس طلتك الملائكية يحرقني الجمر اللاهث في فستانك الأحمر
كما تجري نعومة صوتك في دمي
موزعة النار على مقاطعات جسدي
النار النار النار يا هند
تسرقني مني إليك وتنثرني قبلا على موج نهدك الساخن
هي
ما أجمل كلماتك
وما أحلى هذه التوليفات بل هذه البروق التي تضعها تحت وسادتي والتي أكاد لا أقوى عليها يا عادل
فأنت بعيد بعيد يا عادل
هو
لكنك أقرب إلي من حبل الوريد فأنت بسمة صباحاتي وطلتك ماء على كهرباء فأي ارتعاشات هذه التي تنتابني
يا هند
هي
لقد بات حديثك العذب هذا وجبتي المسائية أنا التي كنت أبحث عن بحر لا عن غريق
هو
البحر البحر متيم بك
قتيلك
ألا تركت بين أصابعه
النارية المتيمة ثيابك ورقة ورقة
لنبحر معا
بحثا عن اللؤلؤة
طبعا الأمثلة كثيرة والأساليب عديدة تلك التي تدعم تلك العلاقات الخفية الدهليزية النفقية التي تتبع السرية الكاملة وتعقد في الخفاء لتتنامى عكس التيار فتمضي حركة عاطفتها رحلة تصاعدية بحثا عن الاكتفاء حيث ليس ثمة اكتفاء
صور ترتسم على أديم الأحاسيس
وكلمات في منتهى الجاذبية والبهاء منتقاة على الأغلب من قصائد الشعراء تترك نثارها على قلوب هؤلاء المتأهبين لتقبل الحب الذي يغذيه الوهم وتستدعيه شبقية مريضة
لحضور شبحي هلامي محضر في معامل الذات الفاقدة
إذن أمام هذا النوع من العلاقات تقف الذات الإنسانية أمام تاريخها الأخلاقي وتاريخها الثقافي وتاريخها الجنسي
وإراداتها الظاهرة والمبطنة أمام أهوائها أمام حقيقة المعضلات المدفونة أمام الشاشة الفضية تنزع الأقنعة وينتزع الخوف الموروث والمكتسب ليتم الاحتماء بالافتراض والاستجارة بالمحتمل و لكن هل يرتوي العطش من السراب؟
هل يمسك الإنسان بظله صارخا هذا هو حبي وهذه هي الحياة؟
هل يمكن لصدى الإنسان أن يحل محل الإنسان؟
هل تغني صورة قوس القزح عن جمالياته الحقيقية؟
هل يمكن للعلاقات الواهمة أن تحل محل العلاقات الحيوية النابضة؟
هل يمكن للسر ان يحل محل العلن؟ وهل يمكن للنصف أن يكون كلا؟
هل يصح أن يتم تحويل الحب الروحي والجسدي إلى حب أثيري؟
بالواقع كثيرة هي الطاقات المستثمرة من قبل الرأسمالية للخوض في محاولات تكون بها الرابح ويكون بها الإنسان هو الخاسر حيث سرعان ما قامت بافتتاح النوادي الخاصة مثل نادي أوشيانا في بريطانيا
مقتدية بفكرة الحب المبثوث عبر الشاشة الفضية وملحقاتها تقدم هذه النوادي الفرصة كاملة لروادها ليتلبسوا دورا مخالفا لحقيقتهم
وكي يعيشوا حياة مغايرة لحياتهم المعروفة وغالبا رواد هذه النوادي من أولئك الذين يسعون لاستحضار عاطفة انطفأت
يتم في هذه النوادي تبادل المتع واللذائذ واللعب المفتوح الآفاق بين الجنسين
ولكن هل هي حلول حقيقية لمشاكل اجتماعية جنسية مزمنة؟
ألا تستوجب الحياة الجنسية المزيد من الجدية في البحث و التقصي العلمي؟
لقد وصلت إ لينا تصورات عديدة عن الجسد الأوروبي ما له وما عليه.
وما زالت تصوراتنا ناقصة
وما تغافلنا عن هذا الجانب من الحياة إلا مساهمة منا في تردي العلاقات الإنسانية عموما لأن البحث عن حلول ترميمية مؤقتة لا تبشر بعلاقات سليمة قادرة ولا اعتقد أن التغاضي عن جذر المشكلة إلا نوعا من الهروب أمام ذاك التنافس المحموم الذي باتت تخوضه الشركات العالمية الكبرى التي تبتدع لنا كل يوم نظاما جديدا متعدد الخدمات فتارة يبث لنا الروائح العطرة التي تجتذب العاشق عبر جهاز الجاسوب، وتارة الحرارة المثيرة للجنس وتارة نقرا عن الزواج التكنولوجي وتزويد الحاسوب بالعواطف
والحاسوب الأصغر من خلية الدم ووو
وكلها خطوات تمضي بنا قدما في طريق تشيييء الإنسان وتأنيس الآلة خطوات تجعل من الحاسوب شريكا عشقيا قادرا على تفكيك العلاقات الإنسانية النابضة
مما يجعلنا فعلا بحاجة إلى أخلاقيات حديثة تواكب عظمة وخطورة هذا الكشف العلمي المدهش وما التعامي عن هذه الحقائق إلا تزكية لتلك العلاقات الباهتة بأبطالها المتوهمين المتورطين بقصص انتهت إلى فجائع حقيقية على مستوى الفرد والجماعة فمن رجل يتفق على لقاء عشيقته التي تطارحه الحب عبر النت ليفاجأ بأنها زوجته راميا عليها يمين الطلاق
إلى تلك الفتاة التي ربحت الدعوة القضائية على الرجل الذي استغل سنها القاصر ليتلاعب بأحاسيسها فيورطها بفض بكارتها وهو المجرب العارف
إلى قصة الرجل الستيني الذي تلاعب بعواطف فتاة بالخامسة عشر وحين تغيب عن النت ربما لصحوة ضمير تنتحر الفتاة نتيجة شعورها بالفقدان وخيبة الأمل والقصص أكثر ومن أن تحصى
إذن يبقى الحب المبثوث عبر الشبكة العنكبوتية ذاك الرهان على المجهول ذاك الاستنزاف الذي يحاول أن يكون انتصارا فيما هو في حقيقة الأمر من ينسج مكائده وسمومه مسببا لكثير من الفجائع و خيبات الأمل لا اعتقد بانني قد اوفيت الموضوع حقه وهو يصلح لان يكون نواة لكتاب لما يختزن من عناصر بحاجة لبحوث جادة ودراسات معمقة تساهم في حماية إنساننا من مشاكل النت.
موضوع الحب على النت ما زال يتفرع في مشكلاته،متخطياً كل حدود .ولعل الفكرة المطلوبة من المختصين في العلوم الاجتماعية والتربوية تفهم تقنيات العمل على الشبكة العنكبوتية ،كي لا تستمر العناكب بمص دم الأجيال وتلوثها.

 

فاديا الخشن

لا تعليقات
ضمن تصنيف: مقالات جديدة