مستقبل الثقافة

مستقبل الثقافة

الحب زحف مقدس.. نار منك تتبعني.. المستأنس بيابيعه.. فواصل من بوح الشاعرة اللبنانية المميزة فاديا الخشن المقيمة في الدانمارك.. امرأة الحنين ورسولة الكلمة المختلفة والنظرة المتجددة التي تعلن عن نفسها بنفسها.. غايتها التجلي وفق ما تمليه اللحظة الكبرى..

والرحيل إلى هناك.. دون إعلان فاضح.. ودون صخب قاتل للافق المملوء غيوما وأروقة أخرى.. أحاديثها ليست كالأحاديث و كلماتها ليست كالكلمات.. قل من يقرأها يقول.. هاهي امرأة مختلفة.. هاهي شعلة تضيء دهاليز الروح.. هاهي أوردة جديدة.. هاهي الكلمات المستحيلة تملأ الأفق جلاء و ماء منسابا.. كل من يعرفها يدرك.. أنها نظرة أخرى.. ورؤى ترحل باستمرار نحو أفق ما.. ستصدقوني حتما.. لأن من يبتل بمائها سيصحو على جسد من نور.. ولنحاول إزعاج عزلتها.. وفك رموزها.. والدنو من عوالمها.. تحسسنا ساعة الإجابة.. فأمطرناها بالأسئلة التي هي أسئلتكم حتما.. فلم تمانع من الإجابة لكم وعليكم.. فدونكم بوحها.. ودونكم ما خصتنا به هذه المميزة من ألق..

ـ من هي فاديا الخشن؟؟.
من أنا؟.
وهل عرف الأنا إلا بمعرفة الآخر؟.
لعل بعض مقاطع من شعري تفي بالغرض الذي تروم إليه
(أنا ربان دمي
وحيث ما يشتعل أشتعل
أنا شعب الشعر المختار
أنا فريق العاطفة
كلما اقتربت من قامة رفضت سجنها
(أنا موسوعة أسمائي
وشاهد عفتي
أنا حاملة مفاتيحي
وأبواب كنوزي
كلما ابتعدت بالزمن أتولد مني
بالشعر اصنع عشقا وفراديس
وقصائد وأسئلة كثيرة
وسخرية وحرية
هو ملكتي وملكي ومملكتي
هو غزوي وفتوحاتي ونظام حكمي
هو قلبي المفتوح
به أحرر الأنا من نرجسه
وأحرر زمنا وكونا وحلما قاسيا
وبه أحرر الضوء السجين)

هل أنت مع ما جاء به الشاعر أمجد ناصر في حوار مع الشاعر عباس بيضون شر في جريدة السفير حيث قال: (إن معظم ما يكتب تحت يافطة قصيدة النثر عربيا ليس قصيدة نثر بالمعنى الاصطلاحي الغربي (Prose Poems) بما أن منشأ قصيدة النثر غربي أصلا بل هو أقرب إلى ما يسمى في الغرب الشعر الحر (FREE WERSE)؟

لا شك أن تصريح الشاعر أمجد ناصر لا يقل شأنا عندي عن أي تصريح

للشاعر بود لير أو الشاعر مالا رميه أواد غار ألن بو أ و كولريدج أ و أراغون وجان بول سارتر وفيكتور هيجوإ ذن فليصرح الأمجد فليصرح الشاعر أدونيس وليصرح الشاعر قاسم حداد وليصرح الدكتور محمد أسليم والشاعرة آمال موسى

وما الضير في ذلك؟ لم علينا أن نستقبل تصريحات الأدباء الغربيين وشعرائهم؟ كما الجواهر النادرة الهابطة علينا من االمجرات نحتضنها بحب و إعجاب كبير ين واحترام نلمعها ونستشهد بها كما الكلام المنزل وفي المقابل نشحذ الهمة ونتأهب للإنقضاض على أي أديب من ذوي جلدتنا يصرح بوجهة نظر جديدة أو مغايرة لرؤانا أو برأي مخالف لآرائنا

هل نحن الثابت والآخر هو المتحرك؟ هل نحن الصمت والتخاذل وهم الكلام والارتقاء؟. هل نحن الموات وهم الحياة؟ ألم يوضح الشاعر أدونيس نظرة الغربي لنا

بقوله: ((الغربي يريد أمامه طاغيا وظلا ميا، ويتردد أمام ديموقراطي بمستواه أمام الفكر المتفتح لفكره،ومحاور من طينته)) بت لا أدري والله لمصلحة من يتم الترويج، بأن الشعر الحديث مؤامرة،غربية استعمارية مدبرة، تهدف إلى اقتلاع الهوية القومية العربية،وأن الشعر التقليدي ظاهرة نكو صية،تعيد المجتمع العربي إلى حالات الركود والتخلف؟وأن النقد العربي ملعب مفتوح لرياح التشكيك ووووالخ من امن الأقاويل غير الواعية لأخطار عملية التذويب هذه والإلغاء

كثيرة هي الأقوال، ومبرمة هي الأحكام، والمحصلة أننا لا ندخل التنظير بالبحث والتمحيص والدراسة والمعرفة، بل نأخذها من فم السارد، لهذا أ قول لك

اسمح لي من فضلك بأن لا أعترف بمشروعية هكذا معركة، الأشبه بمعاركنا الانتخابية لأنه لا طائل منها،ولن أربض كالصياد الراصد لطريدة يعني بصريح العبارة لن اصطاد في الماء العكر، وأدخل خضم هذه المعمعة،بل سأوضح وجهة نظري وحسب مع توضيح دور المصطلح لا اكثر

ثم أن تفاوت الآ راء واختلاف وجهات النظر، الأدبية والثقافية، لايخلف للود قضية

عنصر دينا مبكي في الحراك الاجتماعي والثقافي،فإن تنوع البحوث الجادة وعمق التنظيرات ليست إلا مؤشرات إيجابية واشتغال واضح على تخليق حركة ثقافية فاعلة، بل دليل قاطع على توافر المناخ الثقافي والأدبي،الأكثر ثراء والأوسع غنى.

ولعل عودة لنا إلى حيث كان الشعر والأدب والبلاغة توقا وسمة من سمو الارتقاء الاجتماعي قد يضع الإصبع على الجرح ولعل خير مثال قصة الشاعر الفرزدق حين سمع رجلا ينشد قول لبيد وجلا السيوف الطلول كأنها الخ الخ

نزل الفرزدق عن بغلته وسجد فقيل له ما هذا قال: (أنا أعرف سجدة الشعر كما يعرفون سجدة القرآن التعليق على القول هنا يطول ولكن ما يخص موضوعنا هنا أن قول الفرزدق يؤكد لنا حقيقة احترام العرب الكبير قديما للثقافة والأدب بحيث استحوذا على اهتماماتهم وحظيا برعايتهم فلم يكن من المستغرب وجود من ينحني منهم للكلمة البليغة النابضة، والقصيدة القادرة المتمكنة،لفظا ومعنى وشكلا ومضمونا لهذا استحق الأدب بأن يكون الأب السياسي و ا لاجتماعي وا الثقافي لهم، لقد ثمنوا عاليا كل نتاج أدبي رفيع المستوى،وتناقلوا وا سيتشهدوا بقصائد وأقوال وإبداعات بعضهم بعضا،بكل فخر وبكل نبل ونزاهة أدبية بل بكل إعجاب واعتزاز، فبدت الكتابة امتداد وجود،ينجذب بها الأديب للرحيق،، فالشاعر الذي انبعثت الشمس دفئا في مفاصله نقل هذا الدفء قوة وجمالا إلى مفاصل القصيدة بحيث بلغت القصيدة من الشيوع حد القدرة على أن تتسبب في نشوء حروب، أو إطفاء فتنة، إذن لن يكون من السهولة المقارنة بين القيمة النوعية للأدب والشعر عبر فتراته الزمنية المتفاوتة دون البحث المعمق في سياقاته الخاصة والعامة.

وتأسيسا على ذلك أقول ربما قال الشاعر أ مجد ناصر،ما قاله _تيمنا بتصريحات البعض _مثل الشاعر صلاح عبد الصبور ا لذي أشار إلى أن نظام القصيدة الحرة كان نتيجة اضطلاع الشعراء العرب،على الشعر الإنكليزي،والشعر الفرنسي المكتوب بلغته ومترجم إلى العربية ولم يكن النظام من وجهة نظره، عربيا تراثيا،

أو ربما نتيجة تأثره ببعض القامات الشعرية العربية الهامة من الذين تأثروا بالشكل الغربي للقصيدة أمثال الشاعر بدر شاكر السياب والحديث هنا يطول.

أو ربما نتيجة ذاك الشطط والعبث،الذي تلبس القصيدة الحديثة على أيدي بعض قطاع الشعر ولصوص الأدب أولئك الذين لم يعيشوا أسئلة الحداثة قصد الانفلات من الاختناق وضوضاء ثقافة التسطيح وفقدان الحوار الجاد ولكن مهما يكن من أمر

((فإن المصطلح هو اللفظ الذي يضعه أهل عرف أو اختصاص معين ليدل على معنى معين يتبادر إلى الذهن عند إطلاق ذلك اللفظ فإنه إثراء للغة، ودعم لهويتها ٍ))وما إنشاء مراصد المصطلحات، في الدول العربية، إلا نتيجة إدراكها لأهمية أثر المصطلح في نقل الأفكار.وا لانفتاح الحضاري الذي يحافظ على الهوية ويمنع الانصهار ببوتقة الآخر، أي الانصهار القائم على الأثر والتأثير.وأنا على الرغم من أ ن الاختلاف حول تحديد المصطلح لم يستوقفني طويلا. فلقناعتي التامة بأن القصيدة الحديثة على الرغم من أنها قد أ ثبتت وجودها بقوة على الساحة الثقافية فإنها دون أدنى شك سوف تصبح في المستقبل قديمة هي الأخرى،وذلك عبر إيماني العميق بحركية الإبداع، وضرورات التغيير

وإن كانت المصطلحات العلمية أكثر جمود وتحديدا وتعسفا،فإن ابتكار المصطلحات الأدبية والشعرية النابعة من محليتنا وثقافتنا ووعينا الجمعي تبدو أكثر بلورة وأكثر فضفضة وتوهجا وإشراقا ورحابة وأن نطلق مناراتنا،أفضل من أن نلعن عتو الأمواج.

من هنا لا يمكنني أن أنكر استغرابي الكبير، من اعتقاد البعض بأن الحداثة الشعرية هي حداثة مستوردة، وكأن الحداثة ملكا خاصا لغيرنا محظورة علينا، كأنها كشف نادر أو،سر كوني لا يمكننا بلوغه.،

وكأن لا قبل لنا على الحراك والموازاة والمواكبة والتوق والتفكير، بحيث حسم البعض القول: بأنها غربية المنشأ وانقضى الأمر وكأنا بأدبنا وشعرنا من كوكب آخر كوكب معلب وقاصر وكأن لغتنا لا نبض بها ولا حياة

الحداثة في جسد الشعر

إ ن اعتقاد كهذا يطمس حقيقة الحداثة المبكرة التي حصلت في جسد الشعر العربي والتي تجاوزت المألوف فكان من تجلياتها الثورة على المطلع الطللي والموضوع هنا بحاجة لخوض طويل

وإلا أين نحن من حداثة القصيدة عند أبي نواس والمتنبي وأبي تمام والمعري وأبي العتاهية وبشار بن برد

إن من يواكب حركية المسيرة الشعرية العربية بدءا من العصر الجاهلي حتى ظهور الإسلام فالعصر العباسي وو مرورا بقصيدة الوتد

والمتصوفة النفري وقيس بن ساعدة وجلال الدين الرومي ووو و (بيان الشاعر يوسف الخال) وأسسه العشرة

إن من يواكب الحداثة،عبر الفترات الزمنية المتفاوتة يدرك كيف تبلورت،حداثة تتجه نحو أفق جديد للتفكير،وصولا إلى إنجازات استوردت نمازج الشكلية الغربية، وتجلت بأسماء هامة

((منها جبران خليل جبران،وطه حسين وشبلي شميل والشابي ومحفوظ وطه حسين وعبد الله نديم وغالب طعمة وصلاح عبد الصبور ومعهم كثيرون طبعا ممن رفعوا شعار مؤداه إبراز الذات الفاعلة وووووو من هنا حق لي القول:إن

ذاك الشطط والبعد والاستغراق بالغموض والابتعاد بزمن القصيدة وفنتازياتها ووو لدى بعض التجارب لا يعدو أكثر من ابتعاد المحيط عن المركز واستغراقه بضبابية ذاك البعد لا أكثر فالقصيدة الحديثة كما يحلو لي أن أسميها هي تحصيل حاصل بشكلها الحالي نتيجة تغييرات طرأت عليها وعلى سياقاتها الخاصة والعامة ولو كانت قفزة في فراغ كما يحلو للبعض أن ينعتها لكان لزاما عليها أن تستخدم لغة غير هذه اللغة ولأتت بعوالم أخرى وألفاظ لا تبت للحاضر بصلة وخيال خارج مداركنا بالإضافة إلى أشكال مغايرة وأفكار جديدة كل الجدة على الذهنية الحالية بل على الانسان الحالي اوووا من هنا أرى بأن التأكيد على خلق وابتكار المصطلح الأدبي والشعري النابع من محليتنا و ثقافتنا يدحض المنطق الإلحاقي الذي يؤدي إلى تبعية الشعوب والعقول المسماة متخلفة لشعوب وعقول مسماة متقدمة كما إنه مساهمة

ثقافية حضارية لا يشق لها غبار.إن تجربة قام بها الشاعر أسعد الجبوريا احتفاء بيوم الشعر العالمي في موقع الإمبراطور حيث قام بتشكيل قصيدة مشتركة لمائة من الشعراء العرب والشعراء الغربيين الأكثر شهرة وكانت النتيجة مذهلة لصالح شعرائنا

الأنا حسب ما جاء بتصريح لك تنقسم إلى ثلاثة أنوات،أنا درويشية وأنا تنبئية الخ افهل لك أن تنسجي تعريفات تقرب الفهم؟. إن كنت قد تحدثت، عن نوع الأنوات،المتواجدة في قصيدتي، فإن ذلك عبر وقوفي وقفة المتفحصة، لقصائد كنت قد أنجزتها سابقا، حيث من المعروف أنني لا أكتب وفق مخطط هندسي،ولا وفق معايير نقدية وعرة، فأنا، معنية بفك الحصار عن توق القصيدة، وإيقاعاتها الذهنية والفنية وانطلاقاتها نحو الفضاءات الرحبة، وكي تستدرج القارئ النموذجي،الذي يعاضدها فهما وتأويلا،ولما كانت الحداثة الشعرية قد تجلت كخطاب يتجه نحو أفق جديد، للتفكير والإبداع فقد ضمت أسماء وقامات أدبية شامخة، هؤلاء رفعوا بدورهم شعار، الذات، الرافضة للكبت وكم الأفواه،ومصادرة الحوار، الذات كعنصر مقاومة، ضد عمليات غسل الأدمغة ومصادرات الحرية والتعبير ولم تخرج (أنواتي الثلاث)عن ذلك الهدف. ما رأي فاديا بالشاعر بو دلير؟. الشاعر الفرنسي بودلير إنه شاعر الحداثة الرمزية الذي حول إلى ذهب ما كان الغير يراه وحلا متخذا من الخيال قوة خلاقة مؤثرة) أوليس هو القائل: 1: الأمم لا تنجب العظماء إلا مرغمة. 2: البطل الحقيقي يلهو وحيدا. 3: وهو القائل أن تعرف أن تقتل أن تبدع. أما الآخرين فصالحون للسخرة/ مخلوقون للإسطبل.. 4: هو صاحب نهج أطلق عليه الد اندية. إ ن نظرة سريعة لأقواله يمكن أن توضح لنا بعض معالم شخصيته، وبعض أسرار عظمته: غواص ما هر، يغوص في المجاهيل، ليأتي باللآلئ الجميلة، ساحر يستحوذ بشعره ورموزه على القارئ، مغامر يخرج عن المألوف تذوق الفن الموجه للبرجوازيين ومدح مدينة باريس ثار ضد أمه لعل خير ما يمكن أن يقال عن نتاجه، أنه ثورة ضد كهنوت الأم، الشابةا لتي تفهمت فلسفته ورعت عظمته ولا زمتها إلى أن تزوجت فهذا الزواج حمله من الأحضان الدافئة إلى حقيقة الذات الوحيدة الفاقدة التي انكفأ عليها على نحو نرجسي يبحث في تعاريجها عن دعائم لوحدته المبكرة فخرج للعالم بتصور شعري حداثي رمزي لم تتقطع حباله مع التجارب القديمة، حداثة استفادت من عناصر تمازجت بشكل خلاق، وهي (أزمة الإيمان الديني التي منحت اليقين واحتفظت بأطياف إبليس ثانيا الحياة في باريس القرن التاسع عشر التي شكلت مثالا حداثيا لغيرها من المدن وفكر الأزمنة الحديثة العلمي الخ) بنيامين هجا بودلير أمه وهجا المجتمع ومدح المخلوقات غير المرئية الريح الضوء الخ حاول الانتحار بالسيف (ملاحظة ممكن أن نحذف من الذي سيأتي قال في هجاء أمه ملعونة هي ليلة المتعة الزائلة التي حملتها فيها) هيأت بنفسها في قعر جهنم المحارق المخصصة لجرائم الأمومة) مادحا الكائنات غير المرئية الرياح الغيوم. لائذا بالضوء محدثا الرياح هجا بودلير المجتمع لأنه كان بدليل أمه قائلا: (طيري يا نفس بعيدا/ عن هذه الروائح الكريهة/ واذهبي وتطهري في الفضاء الواسع العالمي) ولعل أهم ديوان عرف بودلير هو ديوان (لمسات) ثم (والفراديس الاططناعية) (وزهور الشر) في قصيدته المدمر لنفسه يقول: أنا الجرح والسكين أنا اللطمة والخد أنا الأعضاء والمبضع والضحية والجلاد ماذا تقول فاديا عن الحلم الحلم تمرد باطني لا تطاله أسلحة الدمار الشاملة فما بالنا بالحلم في القصيدة إنه جنتها الساحرة وجمالها البهي المستقبل ونهج التفكيكية وماذا عن المستقبل ما قولك في نهج التفكيكية؟. لقد ارتأى الفيلسوف المبدع دريدا عبر نهجه التفكيكي ((بأن التمركز المنطقي في النص ليس بغرض الهدم بل إعادة البناء)) والسؤال هنا وماذا نرتئي نحن؟. لقد وعت التفكيكية كنتاج ثقافي، صهر ببوتقة سياسية هاضمة، لحركة العصر ومقتضياته_ بعد أن أشبعت بحثا وتمحيصا وتداولا وبعد أن تم تصديرها إلى دول أخرى لقد وعت التفكيكية لسياقاتها العامة والخاصةبل لضرورات وجودها فكانت حصيلة تفكير ابن عصرها وابن ثقافتها رؤاه ومطامحه وشغفه وتوقه والسؤال هنا ماذا عن ثقافتنا نحن؟. ماذا عن مطامحنا؟. هل بات المثقف العربي مقتفيا للآثار؟.ملوثا بغبار الغرب؟. مسلما آخر معاقله الثقافية؟.

هل بات مقلدا أعمى؟. لأنهاج لا تتساوق مع حقيقة مطالعه، ببغاء يردد دون وعي، خائفا يداري عجزه،بتبعية مقيتة؟. يلح ويلح بي السؤال ماذا عن مستقبلنا الثقافي. لقد أصبح المستقبل في حضارة الغرب علما يمكن رصده والكلام عنه بالأرقام ولكن ماذا عن مستقبل ثقافتنا نحن؟. هل نفككها نحن أيضا وننتظر دريدا جديدا ليعيد لنا لحمتها؟. هل سيبقى مثقفنا مستغرقا بالرغائب مراوحا بالانتظار؟. وإلى أجل غير مسمى؟ أم سيتم الحراك باتجاه التهام الذات والانخراط بالمحو والتهويمات؟. أو سيفضل الخصومات المجانية والمشادات الإلغائية الحادة؟. هل سينهمك المثقف بحبك الفتن المذهبية؟مما يساهم في دفع عجلة التقهقر هل سيعوضنا الندب الثقافي، واللطم الشعري عن الخسارات الفادحة؟ الأ سئلة تتناسل من الأسئلة والزمن لا ينتظر متقاعسا أو تابعا ماذا تقول فاديا عن أنسي الحاج و ديوانه (لن) وماذا عن أدونيس؟. ومحمد الماغوط؟. ويوسف الخال؟.

أنسي الحاج هو البعيد بالحداثة والبعيد بالشعر لا شك ان وعيا تعبيريا جديدا بدا في ديوان أنسي الحاج (لن) فتح المجال واسعا لخلق معايير جديدة لمتلق اختلف حسه واختلفت ذائقته ففي مقدمة (لن) المشهورة بدا لنا الشاعر أنسي الحاج من أعتى المغامرين، على أكثر من صعيد أولا من خلال استهزائه بالمرجعيات،وبالخطاب المؤدلج،وثانيا حين اشتغل على إقصاء الموروث، وزعزعة السائد. مؤكدا أن قصيدة النثر إنما هي نص مفتوح، عابر للأنواع وأنها تعبير عن حالة التشظي العربية، و أن إيقاع فكري، ومنطق داخلي بات يحكم القصيدة الحديثة، وأن تحولا كبيرا يتحكم في نظرية الشعر، ونظرية الفكر،ة. لقد اشتغلت قصيدته على إيحاءات اللغة،وتحديثها فكان في طليعة حاملي مشعل الحداثة، ولعل أصدق ما قيل فيه كلام أدونيس (هو بيننا الأنقى، شعره جعله الثوري الوحيد، هو الجنون هو الوصمة التي يحملها من اختار ان يكون حرا)) فهو من صاد الغريب والمدهش من المجاهيل البعيدة والأغوار العميقة وهو الذي جرنا لنصه المتجاوز للقديم بجدارة، هو البعيد بالحداثة،والبعيد بالشعر وبامتياز.

الشاعر يوسف الخال لايمكن اختزاله بكلمات فهو الذي مضى عنا تاركا لنا نتاجا ثرا وبيانا شعريا،فيه عشرة أسس لقد وثق الشاعر، يوسف الخال للحداثة الشعرية المتأثرة بتعاليم المفكر السياسي أنطون سعادة، فهو القائل? (إن الحداثة حركة إبداع،تماشي الحياة في تغييرها الدائم، ولا تكون وفقا على زمن، دون آخر فحينما يطرأ تغيير على الحياة،التي نحياها تتبدل نظرتنا،إلى الأشياء فالمضامين، تمشي جنبا إلى جنب، لا في الشعر وحده بل في مختلف حقول النشاط الإنساني أيضا)لا أعتقد أنني قد أكون قد أنصفته في هذه العجالة فمسيرته الثقافية والأدبية مسيرة شاقة فهو من أهم رواد قصيدة النثر. أما الشاعر أدونيس) (فهو الشاعر المصوغ من نسيج الآتي، نصفه في الآن، ونصفه في الغد) وهو لا يطالب بحرية الفكر والقصيدة وحسب،بل وحرية الجسد فهو الداعي إلى زلزلة الثوابت القديمة، وتجاوزها كتابة، هو من أعطى للكلمات حدسا وحسا ورؤية وعيون، وهو الذي حرر المدينة من سلاسل التاريخ المؤدلج فبدت المدينة بالنسبة إليه، زمنا أكثر منها مكانا أي أن مدينتة هي مدينة الممكن والمستحيل على حد سواء أما الشاعر محمد الماغوط فهو، ابن قصيدة تثب كفرس جريحة،خاض في تجارب الحياة شرقا وغربا، و تصعلك في مدارج الفقر وأزقته، وضحك ساخرا حتى سال الدم من شفاهه، لم يتعلم في قسم الحشرات في كلية الزراعة، كما كان ينبغي لكنه تعلم من السجن والسجان وتعلم من السوط الذي جعله عنيدا يبحر عكس التيار ويخوض حروبا ضد البؤس الإنساني إن قصيدة محمد الماغوط صافية نقية كسماء الصيف قصيدة عفوية تستند على مستند مكين لا تعتمد على قديم ولا على غربي،فهي قصيدة حرة، حرة حرة تنطلق بسجية وعفوية صادقة تئن بين الحقول، وتتسكع بين الدهاليز المظلمة وعبر، وتعرجات البلاد الخرساء، ولغته كهربائية تلسع تنبه تصدم وتحرض، لقد تعرض لحملات تعذيب، في السجن لمدة سنتين، فقد بقيت هذه الفترة، تلون مجمل قصائده بلونها الأسود حيث لم يخرج من السجن العادي إلا وقد دخل سجن العزلة والصمت والحزن. ليلى بعلبكي الكتابة الندية الرافضة ودخول الأنثى إلى اللغة وعالم الكتابة مع اسم ليلى بعلبكي،يتبادر للذهن فورا، موضوع المحاكمات تلك التي تعرضت لها الكاتبة، بتهمة انتهاك القيم الأخلاقية، وذلك على مجموعتها القصصية (سفينة حنان إلى القمر) الصادرة عام 1964 وروايتها (أنا أحيا) الصادرة عام 1958وبطلتها ليلى فياض تلك المرأة التي أرادت أن تمارس حريتها وتعبر عن تمردها من خلال الجسد هذا الأمر أشعل النار، ولم يطفئها، ولكن سواء كنا مع طرحها أو ضده، فهي من طرح الجسد كمعطى لغوي. محولة إياه إلى ذات اجتماعية وسياسية،طارحة من خلاله الأسئلة الكبيرة. نافضة _بذلك_ عن كاهلها الخوف والوصاية الذكورية، مؤرخة بذلك لدخول الأنثى إلى اللغة، وعالم الكتابة، الكتابة الندية الرافضة للمواراة والتورية والرمز والحلم،الصارخة بالضمير المتكلم، لا الغائب متجاوزة بذلك ما كان سائدا، محققة بوعي لحداثة كتابية أسست لصورة المرأة داخل الكتابة شغفها توقها هواجسها وعيها تساؤلاتها قلقها مؤكدة الاختلاف بوصفه عنصرا ديناميكيا في الحراك الاجتماعي، فبعدها ظهرت كتابات نسائية أكثر جرأة. لغة العلم تلغي لغة الشعر ديوان تنبأ أيها الأعمى للشاعر أدونيس (تنبا أدونيس وترك مذبحتنا بلا شاهد) لعله أ دق ما قيل حول هذا الديوان لقد راهن أدونيسوكعادته يراهن على طرح اقتراح أو رؤية هي في خلدنا ماثلة يقربها بطرحها كقضية تنبري لها أقلام جهابذة الأدب بالأخذ والرد هو يطرح الاحتمالات ومستقبلها كأن يتزوج الإنسان شجرة إنها على كل حال توقعات المتتبع لأحداث العالم والعلم وتطوراتهما ليس أكثر حيث يشير إلى أن المستقبل سوف يهمش الإنسان ويزيد من دور ا لآلة ولعلها إشارة إلى ما يشتغل عليه العلماء الآن من محاولات إدخال الروح إلى الآ لة أو ما سمي (بالزواج التكنولوجي) الذي يدرس بجدية حيث يعمل العلماء على أن يدخل الروبوت في علاقات فكرية و وعاطفية وثمة محاولات جادة أيضا لجعل الروبوت يصنع كائنات شبيهة به تكون نسله الخ لكن على الرغم من أن تننبؤاته بدت كما الخيال العلمي إلا أنه تمكن من أن يفتح الأذهان المتعامية عن فداحة ما ينتظر الإنسانية من تشييء وما ينتظر الشعر واللغة من تبدلات فهو وفق قراءتي يتنبأ بانقلاب الأدوار وبنهضة علمية تترك للعالم لغتها وحسب لغة تغلب على لغة الشعر.

 

أجرى الحوار: عبد القادر حميدة

Comments Off
ضمن تصنيف: حـــــــــوارات