مقاومة الموت بالوصايا

 

مقاومة الموت بالوصايا

((يابني
زاحم العلماء بركبتيك
وانصت لهم بأذنيك
فان القلب يحيا بنور العلماء))

من وصايا لقمان الحكيم

لا يهيم الكاتب الحقيقي في الخواء فهو القلق والوعي المستوفز.
وهو الماء الذي لا يشعر بالأمان, وسط النار طلبه للمعرفة دائم, وسعيه للارتواء مطلب الحواس.
فعلى الرغم من إنني لا أستسيغ الخوض في مواضيع الموت وملحقاته إلا أن وصايا المشاهير والعظماء من فلاسفة وفنانين أو أدباء وموسيقيين تستوجب الوقوف والتفحص مليا كي نستخلص منها ذاك الزخم المعرفي.
فعلى الرغم من صعوبة إجراء المسح الكامل لأهم تلك الوصيات المحلية منها والعالمية في هذه العجالة بدء من وصايا الأنبياء وانتهاء بوصايا الأدباء، فانه لا بد من التوقف بتمعن أمام بعض النقاط الهامة علنا بذلك نضع الأصبع على الجرح فالروائي حنا مينه أنسأ الله في عمره وأبهجنا بروائع نتاجه قد دفعني بقراءة تلك الهالة التي أراد أن يحيط بها ذاته المتواضعة ببوح استباقي طافح بالدلالات العميقة بوصيته التي لم تبد لي وصية للموت بل وصية للحياة نظرا لما احتوت عليه من قوة للدفع جعلت الروائي حنا مينه أقوى حضورا في الزمن بل أقوى من مشهد الموت قاهر الزمن ذاك الذي استحضره لنا بشكل تمثيلي افتراضي
فوصية حنا مينة محاولة لانتصار الكاتب على العدم
فهو لا يريد لحدث الموت أن يتمسرح وأن يتربع على خشبته ممثلون منافقون يمثلون أدوارا مقيتة مكررة تكرس فكرة انتهاء الميت وطرده من لائحة العطاء تمهيدا لجعله طي النسيان.
كما إنه لا يريد أن ينتهي المطاف بالميت عند نقطة زمنية يحددها توقف الجسد عن العمل لان ذلك لا يعني بحال من الحالات انطفاء ما يخلف المبدع الخلاق من الفكر المنتصر الحقيقي بل هازم الموت رافضا أن يتحول كالمعتاد الى مرثية لان ذلك يعني في صميمه إقرارا من المشيعين بانتهاء وانطفاء من وقعت عليه قرعة الموت
وهو الذي لم يقس الإنسان إلا عبر معاييره القيمية وعبر ثقله المعنوي.هذه السمات التي لا يمكن ان يطالها فعل الموت كأن به يقول بان الكاتب الذي لا يسعفه جسده للانتصار على الموت فان الحياة تكمن في نسغ عطائه ونبض نتاجه المستمر بتأثيراته الى ما بعد فعل الموت فكيف لا وهو الروائي الذي لا يملك فكاكا من عذابه المتأتي مما كان قد شاهد وما يشاهد من مظالم وحيف وقهر يود ببساطة أن يكون الموت استمرارا عاديا، مقدما بذلك جرعات إضافية للحياة.
قصد أن يسجل هزيمة للموت كيلا يصبح فعل الموت صنوا للعدم
أو فرصة للاستفظاع والتحسر والاستفجاع انه يصالح ما بين ما خلص إليه من مشاهدات وآراء عبر مسيرة من الصبر والعمل الدؤوب، رافضا المظاهر الخداعة والترف المتكلف السافر والنفاق الاحتفالي الكذاب وربما انطلاقا من رؤية فلسفية خاصة عن الموت انها في حقيقة الأمر ليست وصية بالمعنى الذي اعتدناه بل عملية مسح للغبار العالق في حياتنا ورفض للزيف فهو بوصيته الموجزة والبسيطة والعادية الهادئة يود أن يردأ عنا فكرة القبول بتلك المراسيم المتعارف عليها التي تثقل كاهل المفجوع.
فهو يكسر أطواق العادات البالية تلك المتعلقة بمراسيم الموت والتي تضيف على الحزن أحزانا لعله قد أراد ان يعزف على وتر كان قد عزف عليه الأديب ميخائيل نعيمة قبله حين قال في موت أمه: ((فكأن بعضي مات في موتها وكان بعضها مازال حيا في حياتي)) ومهما يكن من الأمر فان الوصية جاءت كرما من الروائي تؤكد مسؤوليته في انتصار الحياة ولا سيما هو الحارس المؤتمن على أغنى كنوزها النص الروائي الجميل وصيته هذه المبتسرة لم يأت بها بقريحة أو بميول معاكسة لنزوعاته المتواضعة تلك التي يتلمسها القاريء عبر قراءة رواياته, أو عبر مسيرته الحياتية الوعرة لطالما مر بغربال طفولة قاسية وبغربال شباب تفصد عرقا بل هي تأكيد عفوي على أن لغة الوصية هي لغة أرضية ليست قصية أو عصية ولا مغايرة للغته التي عبر بها عن مظالم ومعاناة وطموحات وتجليات شخوص رواياته.
وكيلا يكون تأثير الموت على جسد الإنسان كتأثير الماء المتوحل الذي يعيق الجسد الغائص به فقد أراد حنا مينه ان يمتد بلغته عبر الزمن خلوداً.
فالوصية تذكرة للعاقل وتوعية للغافل ووصيته على بساطتها ترفض الزيف الإعلامي السافر و تعتب على جفاء الأهل ونسيانهم وصية شديدة اللصوق بتفاصيل حياته اليومية فيها تخوف وحذر فيها لوم وعتب وفيها فضح وتوضيح وفيها رفض للترف والزيف انها على ما تنطلي عليه من بساطة تلتقي ببعض بنودها مع وصية الروائي العالمي غابرييل غارثيا ما ركيز تلك التي انطوت على فلسفة حياتية عميقة:
((لو وهبني الله قطعة من الحياة.. لالبس لباسا بسيطا وكنت لاستلقي على بطني تحت الشمس تاركا ليس فقط جسدي مكشوفا وانما روحي ايضا)) لقد التقيا بحرصهما على البساطة والصدق و ورفض الزيف والاختلاق والكذب كما التقيا حول نبذ فكرة النسيان ففي حين ينتقد الروائي حنا مينه نسيان أهله يرى ما ركيز/ بان كبر السن لا يأتي الا من النسيان/ لقد فضح كل منهما النسيان على طريقته لتعريته وإبطال فعاليته لقد أخفقت التوقعات كافة، تلك التي اعتقدت بأن وصية حنا مينة ستكون صرخة سياسية أو نصيحة وطنية كتلك التي صرح بها الشاعر المصري أمل دنقل بقصيدته المشهورة لا تصالح. أو كتلك التي صرح بها الرئيس سليم الحص والتي أوصى بها الدولة اللبنانية لتسعى لإيجاد اتحاد عربي أشبه بالاتحاد الأوروبي أو كوصية الفنان جمال سليمان الذي أوصى بها كل من الشعب اللبناني والسوري بان يكونا معا لان السعادة على حد قوله نصفها في بيروت ونصفها الآخر في دمشق نعم لقد توقعت ان تكون وصية اجتماعية كوصية لقمان الحكيم لابنه تلك التي اقتسمت منها مقطعا استهليت به موضوعي أو كتلك الوصية الذائعة الصيت لإمامة بنت الحارث التي قدمتها لابنتها عند اقتراب موعد زواجها ببنودها العشر التي تنقل للأجيال صورة مشعة عن واقع علاقة الرجل بالمرأة تلك العلاقة القائمة على والتفاهم والاحترام والتفاني بالعطاء.
غير ان وصية الروائي حنا مينه جاءت مناقضة لكثير من التوقعات بعيدة كل البعد عن المنزع السياسي والديني، فكانت من البساطة والصدق ،بحيث بدت أشبه بدعوة حقيقية للابتعاد عن المظاهر الخداعة والكذب المصنوع في معامل الإعلام المزيف والمشوه.

 

فاديا الخشن

هذه التدوينة ادرجت بتاريخ الأحد, 24 أغسطس 2008 في الساعة 11:07 م ضمن تصنيف مقالات جديدة . يمكنك متابعة أي تعليق من خلال RSS 2.0 خلاصات التعليقات. التعليقات و التنبيهات حالياً غير متاحة.

Comments are closed.